الرئيسية / الصحافة / بقلم نور الدين البوثوري:الالتقاء بين الجبهة الشعبيّة والاتحاد من اجل تونس في ميزان الثورة والثورة المضادّة

بقلم نور الدين البوثوري:الالتقاء بين الجبهة الشعبيّة والاتحاد من اجل تونس في ميزان الثورة والثورة المضادّة

*مقال صدر بجريدة صوت الشعب في عددها 115

أثارت في المدّة الأخيرة مسألة الالتقاء بين الجَبهة الشعبيّة من جهة والاتحاد من أجل تونس من جهة ثانية زوبعة في بعض الدوائر القريبة من الجبهة الشعبيّة لا نرى مس تفيدا منها، إن هي استمرّت، إلاّ
حزب حركة النهضة وذلك لأنّ المعترضين على هذا الالتقاء سيساعدون عن غير وعي هذا الحزب على سعيه الدؤوب إلى تفكيك الأطراف المعارضة لسياسته وسيظهرون أمام العموم مجرّد شراذم لا يُعتدّ
بها ولا مصداقيّة لها. وقد ينعكس هذا الحكم، سلبا، على مهندسي هذا الالتقاء والمؤيّدين له. ولهذا السبب رأيت من واجبي توضيح هذه المسألة لما تنطوي عليه من أخطار جسيمة حتّى لا يُلدغ عاقل من جحر مرّتين.
الالتقاء وحكم الضرورة
الالتقاء ليس أمرا اختياريّا دائما بل قد يكون، في بعض الأوضاع، إجباريّا لُمتيه تكتيكات معيّنة، نُجتّب الملتقين الوقوع تحت طائلة القولة الشعبيّة الشهيرة « اللي يحبّ كلّ يضيّع الكلّ ». وليس هو أمرا ثابتا بل هو متحرّك تحرّك الأطراف المنخرطة فيه.
وهو، ىجانبه ذا وذاك، خاضع دوما إلى المراجعة وفْق ما يطرحه الواقع المعيش بمعطياته الملموسة من أهداف ظرفيّة عاجلة ووفْق مدى الالتزام بالمبادئ التي يكون هذا الالتقاء قد قام عليها. ثمّ إنّ الالتقاء عمليّة محدَّدة في الهدف والزمان والمكان. وما دامت هذه المحدّدات متغيّرة على الدوام فإنّ ما يُبنى عليها يكون أيضا متغيّرا على الدوام.
ناهيك أنّ مَن قد يكون حليفك السياسيّ اليوم قد يُصبح خصمك غدا. والأمثلة على ذلك لا تكاد صُحتى. ولا عِبرة في هذا المقام بكلّ « داخل في الربح خارج في الخسارة » إذ ليس الكلام المسؤول كالكلام الذي يُلقى على عواهنه دون أن تترتّب عليه أدنى تبِعات
فعليّة كذل ك الكلام الذي يُلقى في اللقاءات
الخاصّة جدّا.
في مقولة الاستراتيجيا والتكتيك
وقد يقول قائل: ألا يجدر، في مثل هذا الوضع المتحرّك و الذي يقتضي كثيرا من
الحذر والاحتراس، الإعراض تماما عن هذا اللقاء ومواجهة المصير المحتوم منفردا مهما تكن نتائج هذه المواجهة المنفردة؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتطلّب الإقرار، على الأقلّ، بأمور ثلاثة أوّلها أنّ الهدف المباشر لهذا الالتقاء هو الإيمان بأنّ الانتخابات هي الطريق الوحيد للفوز بقيادة البلاد وثانيها أنّ ما لا يُدرَك كلّه لا يُتْرَك جلّه وثالثها أنّه ما يلزّك ع المرّ كان اللّي أمَرّ منّو ». ولذلك قلت سابقا ليس الالتقاء أمرا اختياريّا بل قد يكون، في بعض الأحيان، إجباريّا. وبعد هذه الإقرارات الثلاثة لا بدّ من التمييز بين الهدف
المباشر والأهداف الأبعد منه كي يزول بيُسر الخلط والتلبيس المتعمَّد أحيانا بين التكتيكيّ العمليّاتي والاستراتيجيّ النظريّ البعيد المدى والمتحوّل بتحوّل التاريخ الرافض لكلّ
إرادويّة.
أوّلا، أنا أعتقد أنّه لا يوجد أمر استراتيجيّ بصورة مطلقة بل لكلّ طور تاريخيّ هدف استراتيجيّ مع اني وهذا بعض ما يفسّر التطوّر التاريخيّ وتطوّر الحركات الشعبيّة.
فلا نصادر، إذن ودون وعي منّا، على نهاية التاريخ بمجرّد أيّ التقاء مهما بدا ضارّا في وقته. ولو كان الهدف الاستراتيجيّ واحدا لتوقّف سير التاريخ بمجرّد تحقّقه، وهو أمر تكذّبه الوقائع كلّ يوم. وليس لفرد مع أن يحدّد الهدف الاس تراتيجيّ لكلّ طور تاريخيّ بل مح دّد ذلك هو الجماهير الشعبيّة الواعية بمصلحتها الحقيقيّة والتي يميّزها وعيها عن القطيع. وما على القادة إلاّ مسايرة طموحاتها التي عبّرت عنها تلقائيّا وحيلولة أولئك القادة جدّيّا دون تحويل
وِجهتها ودون أن يُسقط عليها أيّ كان أهدافا لا تمتّ بِصِلة إل ى الأهداف المُعلَنة. ويمكن أن نعدّ الالتقاء بين الجبهة الشعبيّة والاتحاد من أجل تونس من قبيل الالتقاء المرحليّ بين هاتين الكتلتين وذلك استجابة لما تتطلّبه هذه المرحلة التاريخيّة بالذات، المرحلة التي كشّرت فيها الفاشيّة عن أنيابها وشاعت فيها العمليّات الإرهابيّة باعتبارها العنوان البارز لهذه الفاشيّة إلى حدّ أنّ المرء أصبح في هذه المرحلة مهدّدا في وجوده البدنيّ، دع سائر
مستويات الوجود ومطالَبا بالاجتماع مع كلّ طرف ديمقراطيّ ينبذ العنف بكلّ أشكاله. وإذا كان الهدف الاستراتيجيّ ذا طبيعة نظريّة فإنّ التكتيك يعني الطريقة أو الطرائق العمليّة المثلى لتحقيق الهدف الاستراتيجيّ. وفي هذا المس توى تتع دّد التكتيكات وَفْق قراءة كلّ طرَف من الأطراف المجتمعة
للواقع الراهن ووَفْق رؤية كلّ طرف إلى ما يتطلّبه ذلك الواقع من حلول عمليّة قادرة على تحقيق الهدف الاستراتيجيّ لذلك الطور بالذات. وقد يصيب البعض وقد يُخفق الآخر في ضوء النتائج العمليّة المترتّبة على هذا التكتيك أو ذاك. وفي هذه الحال تظلّ الطريق الأنسب والتي لا بديل عنها، في تصوّري، هي طريق الحوار الجدّيّ والإقناع أو الاقتناع. ودون ذلك الفوضى غير الخلاّقة ) وإن كانت الفوضى، بمعناها الحقيقيّ، دائما غير خلاّقة(. في معيار الفعل في التاريخ البشريّ.

إنّ الفعل في تاريخ الشعوب لا يتمّ في الزوايا والغرف المغلَقة ولا في المقاهي حيث تتفتّق قرائح بعضهم على كثير من الثرثرة ولا باحتراف « التنبير » من أمام شاشات الحواسيب، بل يتمّ عبر الانخراط الفعليّ في الحراك الاجتماعيّ وتوجيهه، قَدْر الإمكان، نحو الأهداف الرئيسيّة الباعثة على ذلك الحراك والتي تتهدّدها، بقصد أو بغير قصد، مزالق الانحراف في كلّ منعرَج من منعرجات المسيرة الشعبيّة، لاسيّما وأنّ التاريخ لا يتّبع دائما خطّا مس تقيما بل لا
بدّمن أن تتخلّله منعرجات وانحناءات وتوقّفات وقفزات…إلخ.
وإذا كانت الضرورة الملحّة قد أملت على قادة الجبهة الشعبيّة الالتقاء بالاتحاد من أجل تونس لتحقيق مطلب أساسيّ، في هذه المرحلة تحديدا، هو مدنيّة الدولة وتشريعاتها فإنّ هذا الالتقاء يقدّم بعض الأهداف ويؤجّل أخرى إلى وقت أنسب وظرف أنضج. ولذلك فهو بمثابة الاختيار بين أمرين أحلاهم ا مرّ. ففي هذه الحال يُصبح اختيارُ الجبهة الشعبيّة الالتقاءَ بالا تحاد من أجل تونس أصلح وأجدر بالأخذ رغم مرارته عملا بمقولة التدرّج وبقول بعضهم « حال أهون من حال .» ولكنّ الحذر من الخطإ في هذا الموضع يفرض على الجبهة الشعبيّة خاصّة، وهي موضوع الحديث هنا، اليقظة الدائمة فلا تذهل عن حقيقة كلّ طرَف يمكن أن يجتمع بها، في بعض الأطوار، لاعتبارات تكتيكيّة معيّنة كم ا يفرض علينا، نحن المتابعين للشأن العامّ، كذلك تحديد الموقع الحقيقيّ الذي تحتلّه الذات من الصراع الدائر اليوم وهنا. فالصراع، كما أشرت إلى معناه منذ قليل، يتغيّر بتغيّر أطرافه في المكان والزمان والهدف أيضا.
الكرّ والفرّ في السياسة
إنّ السياسة، كالحرب، كرّ وفرّ رغم اختلاف الميدانين. ولعلّ أبلغ مثال على ذلك شعرة معاوية ». ولا أتصوّر محاربا يظلّ واقفا في مكانه لا يتزحزح عنه رغم تغيّر معطيات المعركة أمامه بل أتصوّر أنّ بطولته تكمن في قدرته على التأقلم مع الأوضاع الجديدة وتحقيق الهدف من المعركة وهو الانتصار. فما أعيبه على بعض الأصدقاء هو تصوّرهم أنّ المحارب الشجاع، شأنه شأن السياسيّ، هو ذاك الذي يقدّم نفسه راضيا مرْضيّا قربانا لعدوّه رغم فراغ الساحة من
حوله إرضاء لنِزعة المازوشيّة ] أي التلذّذ بتعذيب الذات[عند بعضهم. ويجب ألاّ يُفهم هذا على أنّه دعوة إلى الجبن وإشادة به بل، بالعكس، هو إعلاء لشأن الشجاعة في مكانها وتمجيد لروح الفداء حين يقتضي الأمر ذلك بعيدا عن المزايدات الكلاميّة وروح الانهزاميّة وطلب الموت بكلّ ثمن. فالمناضل إ اّمن يناضل في سبيل الحياة لا في سبيل الموت كلّما أمكن تفاديه. فأنا شخصيّا لم أر يوما مناضلا واحدا كاشفا صدره ومتحدّيا خصومه أن يقتلوه لو قدروا على ذلك. وليس الكلام كالفعل مضاء ولاسيما أنّ عشّاق الكلام كثيرون بالقياس إلى عشّاق الفعل البنّاء.
ومن الناحية العمليّة لا يُغنينا في شيء عشق الجملة الثوريّة والتمسّك ب » النقاء الثوريّ » في وسط لا يكاد يفقه من الثورة أبجديّاتها، بل على عكس ذلك، تُغريه قِيَم التقليد وما تنطوي عليه من مغالطات لاسيّما خارج مواطن العمران. فالثوريّ الحقيقيّ، في رأيي، هو ذاك ذي يخاطب القوم بما يفهمون لا بما يفهم هو، وهو ذاك الذي يُخضع مقولاته دائما لواقع الناس لا لنظريّة قد تكون، في ذاتها، برّاقة جذّابة وصالحة فعلا ولكنّها، مؤقّتا، غير قابلة للتطبيق على ذلك الواقع عينه.
نورالدين البوثوري
أستاذ جامعيّ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

live webcam girls
إلى الأعلى