الرئيسية / الجبهة الاقتصادية / مديونيّة نظام بن علي مُكْلِفة للمجموعة الوطنيّة، ومُكبّلة للسّيادة الوطنيّة، وعديمة الفائدة بالنسبة للشّعب

مديونيّة نظام بن علي مُكْلِفة للمجموعة الوطنيّة، ومُكبّلة للسّيادة الوطنيّة، وعديمة الفائدة بالنسبة للشّعب

يزعم الفكر الرّأسمالي السّائد أن تونس في حاجة إلى القروض الخارجيّة لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، نظرا لضُعف إمكانياتها الماليّة الخاصّة (ضُعف الادّخار المحلي)، وبالتالي عجزها على تمويل الاستثمارات حين تعتمد فقط على إمكانياتها الخاصّة، كما يزعم الفكر الرأسمالي السائد كذلك أنّ تونس عاجزة على تمويل عجز الميزان التجاري، نتيجة الحاجة الأكيدة لتوريد أدوات الإنتاج المتطورة والتكنولوجيا الحديثة، إلخ…
يروّج هذا الفكر السّائد فكرة مفادها أنّنا لا نملك القدرة الماليّة على تحسين أوضاعنا، وبالتّالي نحن في حاجة ماسّة ودائمة إلى الدّعم المالي الخارجي، الذّي يتوفّر عن طريق الاقتراض. لكنّ التجربة التّاريخيّة الطويلة مع المديونيّة، وخاصّة تجربة الرّبع الأخير من القرن، فنّدت هذه المزاعم بصفة جليّة وحاسمة. فقد استحالت المديونيّة من نصير مزعوم لتُونس استحالت المديونيّة، في كل فترة من فترات تاريخها المعاصر، إلى عقبة في طريقها. لا جدال في أنّ الأموال التي تدفّقت على البلاد كانت بالغة الأهميّة، ولكن الأموال التّي استنزفتها بعنوان تسديد الدّيون فاقتها بكثير.
لا يكمن المشكل في الحصيلة الماليّة السلبيّة فقط، ولكن أيضا في كون أموال القروض التّي كانت تُسجّل ديْنا في ذمّة الشّعب التونسي، كان يقع الاستيلاء على جزء كبير منها، إن لم نقل كلّها. وبالتّالي لم تكن الطبقات الكادحة تستفيد من هذه الدّيون على الرغم من أنّها كانت تتحمّل عبء خلاصها. لقد كان الشعب التّونسي ولا يزال يخسر من النّاحتين: فهو لا يستفيد من أموال القروض، من ناحية، ثم إنّه يسدّد الدّيون من ماله الخاصّ الثمين والذّي هو في أشدّ الحاجة إليه، والذّي كان بالإمكان أن يتحوّل إلى خدمات اجتماعية وبينة أساسيّة ومستوى عيش، وإطار حياة إلخ في تحسّن مستمرّ وذات طابع شمولي.
ليس مُسلسل المديونية، كما تطوّر في تونس، خاصّة خلال فترة بن علي، مُجرّد قضيّة تصرّف مالي، وإنّما هو أشمل من ذلك بكثير وأكثر تعقيدا. بالتّالي، يجب وضع المديونيّة في سياق التّنمية المفقودة، واستعصاء تحسّن مستوى العيش لعدد متزايد من التّونسيّات والتّونسيّين، في مقدّمتهم الأجراء والكادحين بشكل عامّ، كما جماهير الشّباب، خاصّة منهم المتخرّج من الجامعة، والتفاوت الكبير في توزيع الثّروة محليّا وعالميّا. وكذلك في سياق نظام العولمة الرّأسماليّة المتوحّشة والمتأزّمة، وعلاقة الهيمنة والاستغلال التي تُمارسها الدّول الامبرياليّة والشّركات الرّأسمالية العابرة للقوميات ضدّ الأقطار النّامية. وهو نظام يُعاد إنتاجه باستمرار داخل تونس وفي كلّ الدّول.
بينما كانت السلطة الدكتاتورية تقترض الأموال الطائلة، بدعوى تمويل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئيّة، كانت أوضاع البلاد، بالنسبة لغالبيّة السكّان، تسير من سيء إلى أسوا. وكانت الأزمة الاجتماعيّة الشّاملة تحتدّ يوما بعد آخر، وهي أزمة كانت تُسفّه ادعاءات النّظام ومزاعمه، وأفضت إلى اندلاع الثّورة. ومن تجليّات تلك الأزمة التي نعتناها بالشمول والحدّة:
• البطالة المرتفعة و’الاستخدام المحدود للعمالة’ (sous-emploi) المتفشّي في صفوف القوى العاملة ممّا جعل تونس من بلدان العالم الأكثر تضررا جراء هذه الآفة الاجتماعيّة، سواء أكان ذلك من حيث مُستوى مؤشر البطالة الرّسميّة (معدّل 14 بالمائة منذ نصف قرن)، أو من حيث ارتفاع مستوى الاستخدام المحدود للعمالة الذي يطال 3/2 القوى العاملة المُشتغلة.
• ونتيجة لذلك، بالخصوص، وللتفاوت الحادّ في توزيع الثروة، تُقدّر الأرقام الرّسمية عدد السكان المُعدمين (‘تحت الصفر’) بحوالي ربع إجمالي سكان البلاد. وهو ما يدُلّ عليه أيضا تقهقر ترتيب تونس العالمي في مؤشّر التّنمية البشريّة من المرتبة 78 عالميّا سنة 1993 إلى المرتبة 94 سنة 2011.
من الواضح أن الشعب التونسي لم يستفد من أموال القروض الطائلة، وإنّما هو على العكس تماما، المُتضرّر الأساسي منها. وبناء عليه فإنّ من يُحاول تبرير مُواصلة تسديد دُيون الدّكتاتور بتعلّة ‘تعهدّات الدّولة’ هو مجرّد مُخادع مُعاد للشّعب التونسي. إنّ الدكتاتور وحده المسؤول عن الدّيون التي اقترضها والتي استفادت منها حاشيته وكل المتعاملين معه بمن فيهم الدائنين الأجانب. إنّ النتائج الاقتصادية والاجتماعية حجة إدانة ضد مديونية الدكتاتوريّة.
فاقت قيمة تسديد الدّيون (خدمة الدّيون) بكثير، قيمة الأموال المُقترضة خلال نفس الفترة، والتي بلغت حوالي 48 مليار دينار. وهو ما يمثل عبئا ماليّا سنويّا يسدّد من المال العمومي على حساب الاحتياجات الأساسيّة للشّعب التونسي. كما تمثل خدمة الدّيون ما يُقارب رُبع إجمالي مداخيل الدّولة. علما بأن القروض الجديدة لا تكفي لتغطية خدمة الدّين، ممّا يستوجب تحويل وجهة جزء من المداخيل الجبائيّة لتسدين ديون النظام. وبالتّالي يبدو من الواضح أنّ الشعب التونسي يخسر من الجهتين: فهو لا يستفيد من أموال القروض، من ناحية، ثم إن تسديد الديون يحرمه من أموال هو في أشد الحاجة إليها.
أخيرا، يُخفي النظام حقيقة الكلفة المالية السّنويّة للمديونية التي يتحمل عبئها الشعب التونسي حتّى لا يقيم هذا الأخير العلاقة بين حجم هذا العبء وظروف حياته القاسية. حيث لا تُصرّح الحكومة، في الميزانية، إلاّ بخدمة الدّيون المتعلقة بالقروض متوسطة وطويلة المدّة، أما تسديد الديون قصيرة المدّة فإنه يتمّ في ‘الخفاء’ بعيدا عن أيّة مراقبة ديمقراطيّة، ممّا يُمكّن النّظام من التقليل من حدّة أزمة المديونية والتستّر عن حقيقة النزيف المالي السّنوي الذي يتحمّله الشعب التّونسي جراء المديونيّة والذي يضُرّ بمصالحه الحيويّة.
تُؤمّن المدّيونيّة الخارجيّة لفُروع الشّركات مُتعدّدة الجنسيّات المتمركزة بتونس شُروط سير نشاطها واستمراره، والتّي من أبرزها المساهمة، إلى جانب مصادر عديدة أخرى، في تغذية رصيد النّقد الأجنبي لدى البنك المركزي التّونسي. وتعدّ القروض الخارجيّة، بجميع أنواعها وآجالها، المصدر الرئيس للعُملة الأجنبية، حيث تجاوزت مساهمتها 100 مليار دينار، خلال فترة حكم بن علي.
كما تبرُز أهمية المديونيّة الخارجية بالخصوص في كونها تلعب دور مُخفّف الأزمات أو وسادة هوائيّة، إذ بالإمكان اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، عند الاقتضاء، أو على العكس التخفيض فيه، للحفاظ على تزويد رصيد العملة الأجنبية وتفادي اختناق المصالح الرّأسمالية الأجنبية بسبب القدرة على الصّرف بالقدر الكافي. وقد برزت أهميّة هذه الخاصيّة بشكل خاصّ بعد الثورة، عندما مكن الترفيع في حجم القروض من التعويض عن النقص الحاصل في تدفق المصادر الأخرى، على غرار السياحة، والاستثمار الخارجي، وتصدير الفسفاط، ومحصول الخوصصة واللّزمات، وكذلك تراجع تحويلات التونسيين في الخارج الذي سجل انكماشا ملحوظا خلال سنة 2011. أي أنّ المديونيّة تلعب دور صمّام أمان النّظام القائم عند الأزمات الحادّة، فهي بمثابة قناع الأكسيجين الذي يمكن النظام من تفادي الاختناق. عندما نتحدّث هنا عن النّظام فإننا نعني بالتحديد المصالح الاقتصادية الرّأسماليّة الاستعماريّة المهيمنة التي يتطلب استمرارها تواصل تدفّق العملة الأجنبية بالقدر المطلوب.
وتبرز أهميّة المديونيّة كمصدر للعملة الأجنبية كذلك نظرا لتقلّص العديد من مصادر العملة الأجنبية والنّقص الفادح في مداخيل الدّولة الجبائيّة خاصّة بسبب إلغاء جزء كبير من الرّسوم الجمركية بعد فتح أبواب السّوق المحليّة على مصراعيها أمام بضائع الشركات العابرة للقوميّات، وكذلك نتيجة الاعفاء الكامل للشركات الأجنبية المتمركزة على التراب التونسي من دفع الضريبة على الأرباح بالإضافة إلى الامتيازات الجبائيّة العديدة الأخرى والتّي تحرم الدّولة من دخل هامّ.
كما لا يفوتنا أن نعرّج على قضيّة تهريب رؤوس الأموال، ممّا يعطي أهميّة إضافيّة لدور المديونيّة الخارجية، حيث أشارت دراسة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصاديّة بجامعة ماساشوستس الأمريكية في أكتوبر 2012، بعنوان ‘رؤوس الأموال المُهرّبة من أقطار شمال أفريقيا’ والتّي تفيد أن حجم رؤوس الأموال المُهربة إلى الخارج، خلال حكم بن علي، في شكل عملة أجنبيّة، بلغ 33,9 مليار دولار. أي بمعدّل سنوي بلغ حوالي 1,5 مليار دولار في السّنة. وهي بالتأكيد خسارة فادحة بالنسبة لاقتصاد البلاد. يكفي أن نذكّر أن نظام بن علي كان يقترض من الخارج بمعدل 1,8 مليار دولار في السّنة. كما يمكن الإشارة إلى الاتفاق الحاصل مؤخرا مع صندوق النّقد الدّولي والمتعلق بقرض بقيمة 1،7 مليار دولار والذي ترافقه إملاءات قاسية تدفع نحو تشديد سياسة التقشف وتوسيع نطاق التحرير الرّأسمالي الليبرالي وتعميقه.
يتسبب تهريب رأس المال في خسائر اقتصادية واجتماعية فادحة لتونس، وفي وإهدار فرص سانحة عديدة لتحقيق تنمية متضامنة وعادلة. حيث تضعف هذه الظاهرة طاقة الادخار الوطني وتنقص بالقدر ذاته مستوى الاستثمار الوطني مما يؤدّي إلى حصول نقص فادح في المداخيل. وينتج أيضا عن تهريب رأس المال نزول معدل تراكم رأس المال إلى ما دون مستواه المتوقع، وهو ما يؤدّي بدوره إلى تخفيض معتبر في معدل النموّ الاقتصادي إلى ما دون مستواه الأمثل مع مرور الوقت. كما يقلل تهريب رأس المال في الوعاء الضريبي، الذي يقلّل بدوره في إيرادات حكومية الضريبية ويضعف بالقدر نفسه من قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية العامّة والخدمات الاجتماعية مثل التعليم والصحة.
وممّا يزيد الطين بلّة هو أنّ يتغذى تهريب الرأسمال هذا عن طريق القروض الخارجية ممّا يجعل المجموعة الوطنية تتحمل في وقت لاحق التكاليف الناشئة عن خدمة الدين. عندما تصبح المديونية تغذي حركة تهريب الرّأسمال إلى الخارج، فإنّه من المفيد جدّا أن قع المبادرة بوضع حدّ لهذا النزيف الخطير. لكن الأمر كان مستحيلا في ظل الدكتاتوريّة. أمّا بعد الثورة فمن الضروري والملح في آن، أن يطرح السّؤال لمعرفة كم هي النسبة من القروض التي كانت تتبخر سنويا بفعل هذا التملك الخاص وغير القانوني للأموال المتأتية عن طريق الدّيون الخارجية.
هناك شيء متأكد اليوم، في انتظار التدقيق في المديونية، هو أنّ جزءا هامّا من القروض كان يغادر تونس عبر حركة تهريب رأس المال التي سلطت عليها الدّراسة الجامعية الأمريكية قليلا من الضوء.

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى