الرئيسية / الجبهة الاقتصادية / سياسة تداين مُعادية لمصلحة الشّعب التّونسي

سياسة تداين مُعادية لمصلحة الشّعب التّونسي

كما يبرز انخرام وضعيّة المديونيّة الخارجية، بالإضافة إلى ارتفاع قائم المدّيونية وخدمتها (كلفتها)، في تدعيم حصّة القروض متعدّدة الأطراف المتأتّية بالخصوص من البنك العالمي والبنك الأفريقي للتّنمية، وكذلك لجوء السلطة الدكتاتورية المتزايد للأسواق الماليّة وبالخصوص اعتمادها على القروض قصيرة المدّة ذات الكلفة الماليّة الباهظة.
يُبرز الرّسم التالي ارتفاع حصة المؤسّسات الماليّة العالميّة في قائم الديون الخارجية من الثلث سنة 1990، إلى النصف سنة 2011. وكذلك ارتفاع حصّة الأسواق الماليّة، من 3،3 بالمائة سنة 1990 إلى 32،1 بالمائة سنة 1995 ثم 21،5 بالمائة سنة 2011. ويعني هذا التطور غير المناسب بالخصوص:
– ارتفاع كُلفة الاقتراض الخارجي،
– تنامي ضُغوط المؤسسات الماليّة العالميّة على السّياسة الاقتصادية والاجتماعية للدّولة، حيث أن القروض التي تسندها هذه المؤسّسات تنخرط دائما في إطار سياسات اقتصاديّة واجتماعيّة رأسماليّة ليبراليّة، وهو ما يسمّى ب ‘توافق واشنطن’. بعبارة أخرى يقع مقايضة مال القروض بالسّيادة الوطنيّة، فيما تكون النتيجة النّهائيّة يد فارغة والأخرى لا شيء فيها.
من ناحية أخرى، يتحكّم أربعة دائنين لوحدهم في 61.1 بالمائة من قائم الدّين متوسّط وطويل المدّة سنة 2011، وهم على التّوالي: الأسواق الماليّة 21.5 بالمائة، والدّولة الفرنسيّة 13.4 بالمائة، والبنك الإفريقي للتنمية 14.7 بالمائة، وأخيرا البنك العالمي 11.5 بالمائة. مع العلم أن هذه الأطراف، باستثناء الأسواق الماليّة، هي التّي سارعت بنجدة النظام التونسي عن طريق ضخّ مبالغ ماليّة هامّة في شكل قروض جديدة، وهو ما يدلّ عليه تطوّر التحويلات الصافية بعنوان القروض متوسطة وطويلة المدّة وكانت على النحو التالي:
– فرنسا: من – 215 م.د سنة 2010 إلى + 244 م.د سنة 2011
– البنك العالمي: من +23 م.د إلى +544 م.د
– البنك الإفريقي للتنمية: من +246 م.د إلى +552 م.د
واصل البنك العالمي والبنك الإفريقي للتنمية، في 2012، لعب الدّور الأساسي في دعم النظام التونسي ضدّ ضغوط الحركة الثورية، للحيلولة دون وصول قوى سياسيّة ثوريّة للحكم، ببرنامج عُمّالي شعبي يتولّى كسر قيود المديونيّة سعيا منها لإعادة تملّك المصير الوطني، وبالتّالي إضعاف ضُغوط القوى الاستعمارية على السياسة الاقتصادية والاجتماعيّة للدولة التّونسيّة. أمّا فرنسا فقد تقلّص دعمها المالي بشكل ملحوظ، خلال 2012، بعد أن أخذت المؤسّسات الماليّة على عاتقها مواصلة دعم النظام القائم.
في الأثناء، برزت قطر كمموّل جديد هامّ (قرض بنصف مليار دولار)، وكذلك الإدارة الأمريكية بواسطة ضمان من الخزينة الفدرالية لقرض بـقية 485 مليون دولار في السّوق الماليّة الأمريكيّة، واليابان بضمان بخصوص قرض في السّوق الماليّة اليابانيّة بقيمة 413 م.د، تمّ تنفيذه في أواخر شهر ديسمبر 2012، ووقع إدماجه في ميزانية 2013. كما تجدر الإشارة إلى القروض المتأتية من كل من الجزائر (40 مليون دولار) لحكومة السبسي، وليبيا (100 مليون دولار) وتركيا (حوالي 200 مليون دولار) لحكومة التّرويكا.
أخيرا، تم التعاقد سنة 2013 مع صندوق النقد الدّولي حول قرض هامّ بقيمة 1.7 مليار دولار. لكن خلافا لما كان مبرمجا، امتنع هذا الأخير على صرف القسط الأول (8/1) من هذا القرض، فيما امتنع البنك العالمي، بدوره، على صرف القسط الثالث والأخير من القرض، أي نصف مليار دولار، وكذلك الشّأن بالنسبة للبنك الإفريقي للتنمية. وبذلك يكون هذا الثالوث قد ضرب حصارا ماليّا خانقا حول حكومة التّرويكا، التي وإن أبدت طاعة مثاليّة واستعدادا واضحا لتطبيق الإملاءات الرأسماليّة الليبرالية المتشدّدة والحفاظ على نهج بن علي الاقتصادي والاجتماعي وتشديده، إلا أنها أبدت تردّدا وتراخيا واضحين عند التطبيق. وهو ما يمكن تفسيره بتخوّف حزب النّهضة من تبعات إجراء التقشّف الصارمة والتحرير الرّأسمالي المتشدّد على مصيرها السّياسي، وتحديدا على نتائجها في الانتخابات القادمة المرتقبة.
يدلّ هذا الحصار المالي، ممّا لا شكّ فيه، على طبيعة العلاقة التي تقيمها هذه المؤسّسات الماليّة مع البلدان التّي تخضع لإملاءاتها. وهو ما يفنّد، في حدّ ذاته، مزاعم حكومة الترويكا، وغيرها ممّن سبقها، بأن الحكُومة التونسية بعد الثّورة (هكذا !) ترسم بكل حريّة وسيادة، سياستها الاقتصادية والاجتماعيّة، فيما يقتصر دورُ هذه المؤسّسات على تمويل ما تخطّطه هذه الحكومات من برامج. كم من مرّة سمعنا مثل هذه المزاعم عندما تعالت الأصوات معبّرة عن المخاوف المتنامية من فرض الإملاءات المجحفة على البلاد، خاصّة عل إثر افتضاح أمر الاتفاق السرّي مع صندوق النّقد الدّولي، في بداية هذا العام.
اليوم، بعد أن أشرفت الدّولة على الإفلاس، وفي وقت ما انفكت فيه المؤسّسات الماليّة تُضيّق الحصار على حكومة النّهضة، لكي تعجّل بترك المكان لحُكومة غير مَعنِيّة بالانتخابات لكي تطبّق، بكلّ اقتدار وكفاءة وخبرة، إملاءاتها، تقوم هذه الحكومة بمساعي حثيثة لدى الدّول الامبرياليّة العظمى للظفر منها على ضمان يُخوّل لها الحصول على قروض مُستعجلة في الأسواق الماليّة. لكن عبثا تحاول، لأنّه من غير المتوقع أن تُساهم هذه الدّول في فكّ الحصار المالي الذّي قرّرته المؤسّسات الماليّة الدوليّة التّي تطبّق بدورها سياسة هذه الدّول.
لا يقتصر نهب ثروات البلاد، الذّي تُمارسه الدّوائر الرّأسماليّة العالميّة بواسطة آليّة المديونيّة الخارجيّة، على القروض متوسطة وطويلة المدّة، وإنما يتمّ ذلك أيضا بواسطة القروض قصيرة المدّة. وهي قروض تشُحّ حولها المعلومة، إذ لا نجد لها أثرا إلا في شكل إشارات عامّة وعابرة، بداية من سنة 1995، في تقرير البنك المركزي السّنوي حول المديونية. أمّا وزارة الماليّة فإنّها تحيط المعلومات التي تتعلّق بهذا الصّنف من القروض بخاتم السّريّة التامّة. وهو ما يجعل تدبير الدّيون القصيرة يتنافى مع قواعد الشّفافيّة والرّقابة الدّيمقراطية ويجعلها من الأوكار الهامّة التّي يُعشّش فيها الفساد المالي وسوء التصرّف في تعارض تامّ مع مقاييس الرّقابة الديمقراطيّة، ومبادئ المصلحة الوطنيّة. حيث أن إدارة هذه الدّيون، من قرار التعاقد في شأنها إلى تسديدها، مرورا بتوظيفها، ترجع بالنّظر لدائرة ضيّقة صلب الحُكومة، ولا تخضع لرقابة مجلس النّواب، برغم أن معدّل قيمتها السّنوية يُضاهي ثلث إجمالي ميزانيّة الدّولة.
بدأ اعتماد نظام بن علي هذا الصّنف من القُروض، بشكل حاسم، بداية من 2003، وأصبح مُنذ ذلك التّاريخ المصدر الرئيس لتمويله الخارجي، حيث بلغت قيمته الإجماليّة، من 1995 إلى 2010، 62202 م.د. أي قيمة تجاوزت إجمالي القروض متوسطة وطويلة المدّة خلال كامل فترة حكم بن علي، والتي بلغت 41099 م.د. إنّها بالتّأكيد أموال طائلة، كان بإمكانها أن تُغيّر وجه تونس بشكل حاسم، لو أشرفت على توظيفها وإدارتها مُؤسّسات ديمقراطية، في إطار خطة وطنيّة مُستقلة. لكنّ جُلّ هذه الأموال الضّخمة، انتهى به المطاف في الحسابات الخاصّة المودعة في البنوك الأجنبية، أو تحوّل إلى استثمارات على ملك العائلات الحاكمة، ولم يستفد منها الشّعب الذّي، بالإضافة إلى هذه الخسارة الفادحة، كان يتحمّل أعباء تسديدها أصلا وفائدة: ‘النّظام يكَرْدِي والشّعب يكَسْكِي…’
فتحي الشامخي

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى