الرئيسية / أخبار الجبهة / الجبهة الشعبية وحركة النهضة وشروط التطبيع المفقودة بقلم: لطفي بن عيسى (قيادي بالجبهة الشعبية)

الجبهة الشعبية وحركة النهضة وشروط التطبيع المفقودة بقلم: لطفي بن عيسى (قيادي بالجبهة الشعبية)

في آخر ظهور إعلامي تلفزي له (1) تقمص رئيس حركة النهضة ثوب رجل السياسة المعاصر (بدلة إفرنجية وربطة عنق) المبشر بـ»الإسلام الديمقراطي» والمتسامح والمنشغل أكثر بالملفات الاقتصادية والاجتماعية الحارقة من انشغاله بالمسائل الأخلاقية والدينية. فيما لم يتوقف سعي قيادات حركته في السر وفي العلن إلى إذابة الجليد بينهما وبين مكونات الجبهة الشعبية

وأدى بهم الأمر إلى تقسيم هذه الأخيرة إلى شق ديمقراطيي مستعد للتعايش مع الحركة الإسلامية وشق استئصالي لا يرغب في ذلك في حين اقترح البعض الآخر إنشاء فضاء فكري للحوار يجمع ممثلين عن التيارات العلمانية والإسلامية لغاية تيسير العيش المشترك و تجاوز ما يشبه الحرب الأهلية الدائمة بينها (2) .لكن سرعان ما استعادت الحركة خطابها الهووي المألوف وجندت أصواتها الدعوية في المساجد مذكرة بخطوطها الحمراء الفقهية ونشطت مشاريعها القديمة (إحياء منظومة الأحباس بفرعيها الخاص والمشترك) وذلك بمجرد إثارة مسألة المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث وزواج التونسية بغير المسلم (3).
في هذا الصدد حري بنا أن نتوجه إلى حركة النهضة بالسؤال التالي : «من أين لكم هذا؟ «ونقصد بهذا السؤال الثوب الحداثي والهوية المدنية الديمقراطية. ماذا تغير جوهريا في مفهوم حركة النهضة للدولة وتصورها للمجتمع ؟ وأين هي مراجعاتها العقائدية التي تجعل منها حزبا مدنيا حقيقة؟ وأين هو فك ارتباطها بتنظيم «الإخوان» واستقلاليتها تجاه المحاورالإقليمية ؟ وأين هو تقييمها النقدي لسياساتها المحلية والخارجية خاصة في فترات حكمها زمن الترويكا التي وظفت فيها الجماعات السلفية العنيفة والجمعيات الخيرية لبسط سلطانها على المجتمع ولاختراق أجهزة الدولة واستباحة دم خصومها والانخراط في مشروع إسقاط الدولة السورية والنيل من وحدة ترابها من خلال قطع العلاقات الدبلوماسية معها وتجنيد شبابنا للجهاد في صفوف التنظيمات الإرهابية على أراضيها ؟

لنقل هنا بتمام الوضوح إن الانتقال من العلاقة العدائية القائمة اليوم بين حركة النهضة والجبهة الشعبية بمختلف مكوناتها إلى علاقة طبيعية أي علاقة تنافس بين خصمين سياسيين يتطلب أكثر من أي وقت مضى توضيح مسائل جوهرية والاستجابة لشروط أساسية سنتوقف عندها لاحقا وتتعلق بالإجابة الواضحة والمقنعة عن التساؤلات المطروحة سلفا.
ولعل الانطلاق من تراثنا الفكري التونسي العربي الإسلامي المستنير و استحضار الدرس الخلدوني في باب «انقلاب الخلافة إلى ملك» قد يساعدنا على ذلك، وصولا إلى حصيلة الفكر الإنساني التقدمي المعاصر في ما يتعلق بأسس الحكم ومصدر التشريع ومقتضيات إدارة الشأن العام والخاص أو حتى بالرجوع إلى أحكام دستور26 جانفي 2014 لا سيما تلك المتعلقة بالحريات الفردية والعامة و بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين والمواطنات.

• الدرس الخلدوني
خلص العلامة ابن خلدون عند دراسته جدلية المقابلة بين رابطة العصبية (الاجتماعية) ورابطة العقيدة (الدينية) دراسة تاريخية إلى أن الدين كان كافيا زمن الجيل الإسلامي الأول لكي تقوم عليه وحده السلطة أي أنه كان «وازعا» ذاتيا داخليا ثم بالابتعاد بعد ذلك عن جيل الرسول أخذ سلطان الدين على النفوس يضعف حيث أصبحت كل سلطة لا بد أن تقوم على قوة موضوعية خارجية وهي سلطة الحاكم القهرية الرادعة. في هذا السياق يؤكد صاحب «المقدمة» قول الفلاسفة إن «الإنسان مدني بالطبع» أي لا بد له من الاجتماع وهو معنى العمران ويضيف « ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر … فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم ….فيكون ذلك الوازع واحدا منهم تكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو معنى الملك» (4) . ثم يبين أن وجود البشر وحياتهم لا تحتاجان إلى النبوة و «قد تتم من دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه، أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته، فأهل الأنبياء والمتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب فإنهم أكثر أهل العالم، ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار فضلا عن الحياة، وكذلك هي لهم لهذا العهد في الأقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب» (5).

ثم يوضح في موقع آخر»كيف صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينا ثم انقلب عصبية وسيفا، وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك، والصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده، ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها، وصار الأمر ملكا بحتا ، وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها، واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ، وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك، ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس، واسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب، والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضا ببعض، ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب و فناء جيلهم وتلاشي أحوالهم ، وبقى الأمر ملكا بحتا كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق، يدينون بطاعة الخليفة تبركا ، والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم ، وليس للخليفة منه شيء ، وكذلك فعل ملوك زناتة بالمغرب مثل صنهاجة مع العبيديين ، ومغراوة وبني يفرن أيضا مع خلفاء بني أمية بالأندلس ، والعبيديين بالقيروان، فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا، ثم التبست معانيها واختلطت ، ثم انفرد الملك ، حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة»(6)
يجعل ابن خلدون الخلافة أفضل النظم السياسية من منظور أخلاقي محض فالخلافة في نظره مؤتمنة على سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة في حين أن الملك مؤتمن على سعادة الإنسان في الدنيا فقط ولكنه من منظور تاريخي يعتبر أن هذا النظام الذي ظهر في فترة أولى من تاريخ المسلمين قد انتهى ومن المحال أن يستعاد لأن الظروف التي أوجدته لن تتكرر تاريخيا.

ذلك أنه إذا كان الإنسان مدنيا بطبعه فان الدولة الدينية لا تستند إلى أسس عقلانية ولا لضرورة تاريخية معنى ذلك أن المشروع الإسلامي المبني على مقولة الإسلام دين ودولة وعلى تطابق السياسة في كل أبعادها (الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية وغيرها) مع الشريعة باتت مستحيلة وان استمرار الدعوة إلى ذلك مرده وعي زائف وشقي في الآن ذاته بالشرخ العميق القائم بينهما (7). هذا ما انتهى إليه أبن خلدون في مقدمته لكتاب العبر منذ ما يزيد عن ستة قرون. فالمسار العلماني (بمصطلحات عصرنا) كما بينه ابن خلدون هو حتمية تاريخية تندرج ضمن طبيعة الأشياء لم ولن يقدر على إيقافها أحد مهما كانت تعرجات التاريخ وأعراضه (8). فإلى أي مدى يمكن أن نقول أن حاملي مشروع دولة الخلافة الملتزمة بشريعة «السلف الصالح» (من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام) – سواء تبنوا أسلوب العنف والإرهاب أو توخوا النهج السلمي – استوعبوا الدرس الخلدوني ؟

• الجبهة الشعبية والنهضة وشروط
التطبيع المنعدمة
لا يختلف اثنان في أن الفصائل الإسلامية الراديكالية كحزب التحرير والسلفية العلمية وكذلك الفصائل الأخرى كالجماعات الجهادية الإرهابية بـ»قاعدتها» و»دواعشها» ومشتقاتها والتي يراودها كلها حلم استعادة دولة الخلافة لم تستوعب الدرس الخلدوني بل إنها تصدت له بما أوتيت من وسائل واختارت التجديف ضد تيار التاريخ فالأمر محسوم معها نهائيا. غير أن الإشكال يظل قائما في علاقة بحركة النهضة فنحن ما يهمنا في هذا الصدد ليست مسارات الأفراد أو حصول انشقاقات داخلها بقدر ما يتجه اهتمامنا إلى البنية الذهنية وإلى حصيلة الوعي الجماعي لدى قياداتها الفكرية وإطاراتها الوسطى وقاعدتها الواسعة النضالية والانتخابية.

• القطع مع المرجعية السلفية وفك الارتباط بتنظيم الإخوان المسلمين والتخلي عن الوظيفة الدعوية وحصر نشاط الحركة في المجال السياسي المحض
نشأت «الجماعة الإسلامية» (سنة 1972) التي ستصبح فيما بعد «الاتجاه الإسلامي» ( سنة 1981) قبل أن تتحول إلى «حركة النهضة» (سنة 1989) كحركة دينية ذات خصائص دعوية تبشيرية وكالتحام وتجاوز لـ «جمعية المحافظة على القرآن الكريم». وقد وظفت مجلة «المعرفة’’ التي أسسها الشيخ عبد القادر سلامة سنة 1971 كمنبر لأفكارها المتأثرة بِأطروحات «الإخوان المسلمين» ثم تحولت شيئا فشيئا من العمل الدعوي إلى العمل السياسي في أواخر السبعينات حيث هبت رياح الثورة الإيرانية على عديد الفصائل الإسلامية آنذاك. فهي لم تكن امتدادا للمسار الإصلاحي التونسي ولا في تواصل فكري مع رموزه كخير الدين والشيخ الثعالبي والطاهر بن عاشور ولا امتدادا للإسلام الزيتوني .ورغم التجارب المتنوعة التي مرت بها الحركة فإنها لم تخض مراجعات فكرية تدل على قطيعة فعلية مع التصور الشمولي للإسلام السياسي التي نصت عليها الوثيقة المرجعية للحركة «الرؤية الفكرية والأصولية لحركة النهضة» التي أقرها المؤتمر الرابع سنة 1986 وتمسكت بها في المؤتمرات اللاحقة إلى غاية سنة 2012 وهي في سدة الحكم. كما أن الصيغ الفضفاضة التي أثثت البيان الختامي للمؤتمر العاشر للحركة المنعقد سنة 2016 لا تغفلنا عن ما جاء في بعض اللوائح من تأكيد عن بعض الأساسيات فيما يتعلق بطبيعة الحركة لاسيما ما نصت عليه لائحة إدارة المشروع على أن «المرجعية الإسلامية للحزب هي مرجعية قائمة على اعتبار ثوابت الدين ومقاصده وقيمه العليا أساسا يعود إليه الحزب في بناء تصوراته واختياراته السياسية والمجتمعية وفي مجمل الأطروحات التي يقدمها والبرامج التي يقترحها»، ثم تنتهي اللائحة بتوضيح التمايز بين الدعوة والسياسة وليس الفصل بينهما «وبهذا المعنى لا يحول هذا الخيار الحركة إلى كيانين منفصلين وإنما هو تطور طبيعي نحو التخصص بين العمل الحزبي والعمل المجتمعي وفق ما يقتضيه القانون واختلاف طبيعة المجالين».

ما من شك في أن المذهب الحنبلي وتشدده في تأويل النص القرآني قد شكل المرجعية الأولى للتيارات السلفية بكل مشاربها ونزعاتها. نذكر فقط أن السلفية ليست إلا امتدادا لمدرسة أهل الحديث والأثر الذين برزوا في القرن الثالث الهجري في مواجهة المعتزلة في العصر العباسي تحت قيادة أحمد بن حنبل أحد أئمة السنة الأربعة فكان المعتزلة يتخذون مناهج عقلية في قراءة النصوص وتأويلها واستمدوا أصولهم المنطقية من الحضارة الإغريقية، ورأى أهل الحديث في هذه المناهج العقلية خطراً يهدد صفاء الإسلام ونقاءه وينذر بتفكك الأمة وانهيارها. وانتهى هذا النزاع حين تولى الخليفة المتوكل أمر الخلافة وأطلق سراح ابن حنبل وانتصر لمنهجه ومعتقده.

ستنتعش السلفية بظهور ابن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي بالتزامن مع سقوط عاصمة الدولة العباسية بغداد على أيدي التتار و بعد انحسار كبير شعبيًا وسياسيًا بسبب انقسام الفقهاء الإسلاميين وأهل الحديث إلى حنابلة وأشعرية حيث صارع ابن حنبل من اعتبرهم أهل البدع داعياً إلى إحياء عقيدة السلف ومنهجه. أما ابن تيمية فقد طور نظرية الجهاد لدى المسلمين ودعا إلى معاداة غير المسلم وإهانته وإهانة مقدساته وصولا إلى تقسيم المجتمعات بين «دار الإسلام» و»دار الكفر» و كفر جميع الفلاسفة والمتصوفة والمتكلمة والشيعة والنصارى واليهود وأخرج الجميع من الملة. هذا المفكر بالخصوص هو الذي ألهم التنظيمات الدينية وكان بمثابة الأب الروحي للحركات السلفية وخاصة منها الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر الميلادي المتمثلة في دعوة محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية إلى إقامة دولة دينية والحكم بالشريعة الإسلامية بالاعتماد على بعض الآليات منها  هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لفرض نمط متشدد من العبادات والأخلاق على الناس، كما ألهم حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر في الربع الأول من القرن الماضي (1928) الذي كرس دعائم فكر متزمت طوره فيما بعد كل من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب.

فما هو إذن موقف الحركة الرسمي من أي من هذه المرجعيات الفكرية والعقائدية التي نهلت وتغذت منها أجيال وأجيال من «الإسلاميين» الذين نشطوا في صفوفها ولا يزالون ولم تقع تربيتهم على ما يقطع مع ثقافة التكفير؟
وإنه من المعروف أن تنظيم الإخوان المسلمين سعى منذ تأسيسه إلى قولبة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعالم بأسره وفق الشعارالشمولي للجماعة والمنادي بأن «الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا». وفي ذات السياق ذكر حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان إسلام الإخوان المسلمين «إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وروحانية وعمل ومصحف وسيف وهي فكرة شملت كل نواحي الإصلاح في الأمة فهي دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وشركة اقتصادية وفرقة اجتماعية» فيما ينص النظام الأساسي الذي وضعوه على التزام قيادة الأقطار بقرارات القيادة العامة متمثلة في المرشد العام ومكتب الإرشاد العام (وحركة النهضة ممثلة فيه في شخص رئيسها) ومجلس الشورى العام.

• بم تفسر حركة النهضة الإبقاء على هذه الروابط بتنظيم الإخوان المسلمين عقائديا وسياسيا وانتماء حركيا؟
أخيرا وفي شأن الفصل بين النشاط الدعوي والعمل السياسي فإن المؤتمر العاشر للحركة لم يأت بجديد يذكر حيث أبقى على الوظيفتين واكتفى كما ذكرنا سلفا بتمييز إجرائي بينهما مع دعوة القيادات إلى التخصص في إحدى الوظيفتين لا غير ما يبقي الحركة على طابعها الديني الأصلي.

• الثقة المنعدمة
صعدت حركة النهضة إلى السلطة سنة 2011 وقد ساعدها في ذلك إلى جانب الدعم الخارجي السياسي والمالي (الأمريكي والأروبي والخليجي) نجاحها في افتعال أزمة هوية لدى الشعب التونسي حيث أوهمته أن الإسلام بات في خطر وأنها أصبحت هي الطرف المؤتمن عليه في بلادنا في حين قامت الثورة على أساس استحقاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية بحتة لا صلة لها بمطالب دينية ولا بالخلافة ولا بتطبيق الشريعة. لكن سرعان ما اهترأت شرعيتها الإنتخابية نتيجة عجزها عن تأمين الانتقال الديمقراطي السلمي وإخراج البلاد من الأزمة الشاملة التي باتت تتخبط فيها فبلغ العنف السياسي ذروته في فترة حكمها باغتيال قائدين من أبرز قادة الجبهة الشعبية وهما الشهيدان شكري بلعيد ومحمد البراهمي وقد سعت إلى عرقلة الأبحاث بشتى الطرق سعيا منها إلى طمس الحقيقة لغاية الإفلات من العقاب في حين أنها تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية في كل ما حدث في انتظار ما ستؤول إليه الأبحاث في المستوى الجنائي.

وواصلت النهضة نفس النهج الاقتصادي الليبرالي للنظام البائد مع بروز منطق الغنيمة وتفاقم الاحتقان الاجتماعي في عديد الجهات والقطاعات نتيجة غياب برامج جدية لتوفير الشغل والعيش الكريم والتنمية العادلة و برزت النزعة التسلطية لحركة النهضة وانتهاجها سياسة الهيمنة على مفاصل الدولة ومحاولة السيطرة على الإعلام وإخضاع جهاز القضاء والأمن لإرادتها. كما تنامت ظاهرة العنف المادي والمعنوي على أيادي مجموعات متطرفة متسترة بالدين تسعى بدون رادع إلى تخويف وترويع وتعنيف المنتقدين والمعارضين والمحتجين والمتظاهرين والضغط على المبدعين والفنانين وتعمل على فرض إرادتها بالقوة متحدية القانون والدولة والمؤسسة الأمنية والقضائية وكل ذلك بتواطؤ واضح من حركة النهضة في إطار سياسة ممنهجة لإضعاف مؤسسات الدولة وارباك أداء المؤسستين الأمنية والقضائية وتوظيفهما لأغراض حزبية وهو ما تجسم في إجهاض محاولات تأسيس أمن جمهوري.
إن تذكيرنا بهذه الحقبة من حكم الترويكا الكارثي بقيادة حركة النهضة غايته الوقوف على سلوك ثابت لدى الحركة يتمثل في عدم تحمل مسؤولية خياراتها وسياساتها ونزعتها المرضية لاعتماد الخطاب المزدوج وإلقاء اللوم على الآخر ما يجعل الثقة منعدمة تماما لدى خصومها لا سيما الجبهة الشعبية. أما مخرجات مؤتمرها العاشر فهي أقرب للمراجعات التكتيكية التي أملتها عليها اكراهات التغيرات الإقليمية (في مصر وفي سوريا وفي الخليج) والدولية (الولايات المتحدة الأمريكية) وشروط البقاء في السلطة (التحالف مع النداء) من المراجعات الإستراتيجية العميقة التي تقطع جوهريا مع ماضيها القريب والبعيد.

———-
1 – قناة نسمة في غرة أوت 2017 . حاوره حسان بالواعر وخليفة بن سالم.
2 – أبو يعرب المرزوقي – الجزيرة نات. في 2 سبتمبر 2017 . حاوره خميس بن بريك.
3 – خطاب رئيس الدولة في قصر قرطاج يوم 13 أوت 2017 بمناسبة الاحتفال بصدور مجلة الأحوال الشخصية.
4 – كتاب العبر، في المقدمة الأولى «في أن الإجتماع الإنساني ضروري» من الباب الأول من الكتاب الأول «في العمران البشري على الجملة». المجلد الأول ، دار ابن حزم، بيروت، ص 34 – 35 .

5 – المصدر السابق، ص 35 .

6 – المصدر السابق، الفصل الثامن والعشرون «في انقلاب الخلافة إلى ملك»، ص 157.
7 – انظر علي أومليل ، «في التراث والتجاوز» ، المركز الثقافي العربي، بيروت ، 1990 .
8 – انظر لطفي بن عيسى،»معقولية التاريخ وعلمنته لدى ابن خلدون وفيكو» (باللغة الفرنسية) ، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 48 – 49 ، سنة 2010، ص من 5 إلى 51 .

بقلم: لطفي بن عيسى (قيادي بالجبهة الشعبية)

إلى الأعلى