الرئيسية / أخبار الجبهة / كتاب التداين : إختيار أم ضرورة ؟

كتاب التداين : إختيار أم ضرورة ؟

هل غادرنا فعلا نهج الكوميسيون؟

من منّا لا يعرف هذا النهج الواقع على أطراف المدينة العتيقة في تونس العاصمة؟ لكن كم من التونسيين يعرف سرّ هذه التسمية؟ لقد حمل هذا النهج اسم “الكوميسيون” لأنّه احتضن مقرّ “الكوميسيون المالي” أو اللجنة المالية الدولية التي تشكلت سنة 1869 بتونس، تحت ضغط بعض البلدان الأوروبية (إيطاليا، انكلترا وفرنسا) لاستخلاص الديون الأجنبية التي كانت الإيالة ترزح تحتها، في ظرف استفحلت فيها الأزمة المالية واستحال على الدولة التونسية سداد تلك الديون التي بلغت آنذاك 125 مليون فرنك.

فما كان من الصادق باي إلا أن وافق على تشكيل اللجنة المذكورة التي كانت تشتغل وكأنها وزارة للمالية، وُضعت تحت تصرفها المباشر جميع مقدّرات البلاد المالية. فكان تشكيلها أحد أبرز مظاهر التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد التونسية من خلال إخضاع ماليتها للرقابة المباشرة للدول الأجنبية. وقد تضمّن مرسوم الباي المؤرخ في جويلية 1869 والمحدث لهذه اللجنة فصولا غاية في الإجحاف (مثل الفصلين التاسع والعاشر) إذ هي قسمت مداخيل البلاد إلى قسمين، خصص أحدهما لنفقات الدولة والآخر لتسديد الديون. كما وقع تقييد الباي، فلم يعد بإمكانه أن يمنح أيّ امتياز أو أن يعقد أيّة اتفاقية قرض إلا بموافقة الكوميسيون المالي الذي لم يتمّ إلغاؤه إلا سنة 1884 أي بعد الانتصاب النهائي  للاستعمار الفرنسي بتونس.

واليوم، وبعد ستين سنة على رحيل فرنسا، وبعد اتباع النظام الحاكم منذ ذلك الحين مناويل تنموية تبدو في ظاهرها مختلفة، لكنها غير ذلك حتى وان اتخذت مسميات مختلفة (الاشتراكية الدستورية مثلا)، وبعد الرفض المتواصل لهذه المناويل والتي عبر عليها الشعب التونسي بأشكال مختلفة (الإضراب العام 1978، ثورة الخبز 1984، انتفاضات الجهات وعلى رأسها انتفاضة الحوض المنجمي 2008) والتي مهدت جميعها إلى اندلاع المسار الثوري 17 ـ 14، والذي عبر فيه  الشعب التونسي عن رفضه  للظلم والقهر والذي أدى إلى رحيل بن علي في 14 جانفي 2011، فهل خطت تونس بعض الخطوات باتجاه فك الارتباط مع قوى الهيمنة الامبريالية في مجال المديونية بالذات؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يحاول المساهمون في هذا الكتاب الإجابة عنه بتناوله من زوايا نظر مختلفة لكن متكاملة، للردّ على الطرح الرسمي وغير الرسمي الذي يعتبر التداين قضاء وقدرا و ضروروة وليس اختيارا. خاصة وأن هذه المسألة التي لم تكن إلى زمن غير بعيد من اهتمامات المواطن التونسي، بل كان تناولها بالحديث يقتصر على حلقة ضيّقة من المهتمين بالقضايا الاقتصادية ممّن يهمهم أمر البلاد. أمّا اليوم، وبفضل ما حققه المسار الثوري من بعض المكاسب، خاصة في مجالات الإعلام وحرية التعبير، فإن عموم التونسيين أصبحوا من أكثر المهتمين بالشأن العام، ولم تعد مصطلحات مثل “المديونية” و “التداين” و”جدولة الديون” و “الديون الكريهة” عبارات مبهمة بالنسبة إليهم، بل إن الوعي بمحورية هذه المسألة وكيفية معالجتها أصبح يقض مضاجهم. وهو ما جعلنا نحرص على إصدار هذا الكراس لمزيد تقريب المعلومة من الجميع، وهو كذلك ما جعل الأساتذة المشاركين  يحرصون على تناول القضايا المتعلقة بالمديونية بشكل بعيد عن التعقيد، حتى يكون هذا العمل مساهمة إضافية إلى جانب مساهمات أخرى في تقريب المعلومة من عامّة الناس، حتى تصبح قضية المديونية فعليا قضية رأي عام، وحتى نبيّن أنه ليس مقدّرا على الشعب التونسي أن يُلدغ من نفس الجحر مرارا وتكرار، حتى يتمكن من تحرير نهج الكوميسيون (والأنهج المشابهة) من اللجان المتتالية التي انتصبت به منذ قرن ونصف، حتى وإن اتخذت كل مرّة مسميات مختلفة.

titre

إلى الأعلى