الرئيسية / أخبار الجبهة / تتوالى الحكومات و دار لقمان على حالها الإصلاحات الجوهرية والعاجلة في قطاع الصحة

تتوالى الحكومات و دار لقمان على حالها الإصلاحات الجوهرية والعاجلة في قطاع الصحة

بقلم: عبد المجيد المسلمي ( عضو المجلس المركزي للجبهة الشعبية)

لا يزال القطاع الصحي يعيش صدمة رحيل الوزير المأسوف عليه سليم شاكر رحمه الله. و رغم أنه لم يقض سوى بضعة أيام في الوزارة فلقد ترك الأثر الطيب بما أظهره من عزم صادق و حماس فياض لإصلاح شؤون القطاع المتردي أصلا و مقاومة الفساد و جميع مظاهر التسيب. ويتساءل الرأي العام في القطاع الصحي عن الوزير أو الوزيرة الجديدة التي سيتم تعيينها أم أن الحكومة ستترك الوضع على ما عليه من التسيب كما كان الحال في وزارة المالية و وزارة التربية؟؟؟ و الحال أن الإصلاحات في قطاع الصحة أصبحت لا فقط ضرورية بل عاجلة وحيوية.

العمل الوجوبي لأطباء الإختصاص في الجهات الداخلية
يمثل غياب أطباء الإختصاص لا فقط بالجهات الداخلية بل حتى بالمستشفيات الساحلية او حتى الجامعية أهم معضلة تواجه القطاع الصحي على الإطلاق. و هذا الوضع هو جرح نازف في مجتمعنا. فإذ يتخرج سنويا ما يعادل 300 طبيب مختص بفضل مجهود المجموعة الوطنية فإن سوء توزيعهم بين القطاع الخاص و القطاع العام و بين الشريط الساحلي والجهات الداخلية ما فتئ يتعاظم. وإلى حد الآن لا توجد خطة واضحة لمعالجة هذه المعضلة. فصندوق الجهات الداخلية الذي أتى به السيد سعيد العايدي ( 25 ألف مليون دينار سنويا) لم يتمكن من حل المشكل و لم يعالج المعضلة إلا بنزر ضئيل علاوة على كلفته الباهظة مقابل العمل المنجز حيث يتم خلاص الطبيب على حصة عمل ب24 ساعة بمقدار 500 دينار. أما ما صدر مؤخرا عن وزارة الصحة من تحديد قائمتين في مناظرة اجتياز الإختصاص في الطب concours de résidanat واحدة للجهات الداخلية و أخرى للجهات الساحلية فإنه يعمق التفاوت بين الجهات علاوة على أن نتائجه على الخارطة الصحية سوف لن تظهر إلا بعد 6 أو 7 سنوات. هكذا تراوح الحكومات المتعاقبة مكانها في هذا الملف و المواطنون في الجهات الداخلية يعانون ويقاسون الأمرين من اجل العلاج. و سواء كان الأمر ناتجا عن تأثير لوبيات معينة أو عن توجهات لا شعبية أصلا للفريق الحاكم فإن الحكومة عجزت عن حل هذه المعضلة.

و الحل الذي ندافع عنه منذ سنوات هو العمل الوجوبي لكل أطباء الاختصاص المتخرجين حديثا في كل جهات البلاد و لمدة سنتين مثلهم مثل كل موظفي الدولة من قضاة وأساتذة و أمنيين و عسكريين ثم يصبحون بعد ذلك أحرارا في الانتصاب في القطاع الخاص أو الهجرة إلى الخارج. وقد كان أحرى برئاسة الجمهورية التي لها حق المبادرة التشريعية أن تعالج مثل هذه القضايا لا أن تقترح قانون المصالحة السيء الذكر و الذي قسم التونسيين و لم يثبت أدنى جدوى. و لكن عقولهم و أفئدتهم ترنو إلى اللوبيات من أصحاب المال و النفوذ و هم بعيدون كل البعد عن مشاغل أبناء الشعب.

حوكمة المستشفيات = الأطباء على رأس المستشفيات..لما لا؟؟؟
تعيش المستشفيات العمومية و خاصة المستشفيات الجامعية مشكلة حوكمة و تسيير gouvernance..و لا تبدو لدى وزارة الصحة والحكومة بصورة عامة أي توجه نحو إصلاح هذه المنظومة. صحيح أن قطاع الصحة العمومية تنقصه الأموال. و لكن ضخ المزيد من الأموال في ظل حوكمة مريضة و فاسدة ( و ليست رشيدة) هو بمثابة الحرث في البحر. و تمثل إصلاحات المرحوم الدالي الجازي في بداية التسعينات منعرجا في إصلاح القطاع الصحي و من بينها الأمر عدد 1844-91 و الذي حول بمقتضاه المستشفيات الجامعية من مؤسسات عمومية إدارية EPA إلى مؤسسات عمومية للصحة .EPS لقد مثل هذا التغيير في تلك الفترة ثورة حقيقية في نمط تسيير المستشفيات بما قدمه من هيكلة جديدة للتسيير و

من سلاسة واستقلالية في التصرف. والآن و بعد أكثر من ربع قرن و بعد التطورات الكبيرة و على ضوء أزمة الحوكمة التي تعيشها المستشفيات من الضروري و بصورة عاجلة مراجعة منظومة التسيير بالمستشفيات الجامعية في اتجاه الشفافية و العقلانية و التدبير الحر و مقاومة الفساد.

ولكن و من مساوئ إصلاحات الدالي الجازي أنه حصر الإدارة العامة للمؤسسة الإستشفائية الجامعية بين يدي إداريين ( مدير عام) و أقصى منها الأطباء مما أدى في تلك الفترة إلى صراع بين الجهاز الإداري و الجهاز الطبي و كان من نتائجه تغول الإدارة و انكفاء الأطباء و ابتعادهم عن دواليب تسيير المستشفى. والان و بعد ربع قرن يتبين بكل وضوح أن هذا التوجه فشل في إرساء حوكمة رشيدة و تسيير ناجع و عقلاني للمؤسسة الصحية. و برأينا فإنه من الضروري تكليف الأطباء بدور الإدارة العامة للمستشفيات المحلية و الجهوية و الجامعية و لو على مراحل لأننا نعتبر أن المؤسسة الإستشفائية فيها من الخصوصيات و التعقيدات ما يعجز عن استيعابه موظفون مستوردون على عجل من مؤسسات إدارية أخرى

لا شك أن هذا الإجراء غير كاف و لكنه عملي وحيني حتى ولو تم على مراحل و من شأنه أن يعطي دفعا للحوكمة و التسيير بالمستشفى. تذكيرا بان القانون يفرض على المصحات الخاصة مديرا طبيا بشرط أن يكون طبيبا. فلماذا لا يطبق هذا القانون على المستشفيات العمومية؟؟؟ و بصورة متوازية من الضروري إطلاق ورشة تفكير حول إصلاح طرق الحوكمة و التسيير في المستشفيات العمومية تفضي في ظرف 6 أشهر إلى مقترحات عملية يتم البدء بتطبيقها بصورة فورية.

إدماج المتمتعين بالعلاج المجاني صلب «الكنام»
يتمتع حوالي 700 ألف مواطن تونسي ببطاقات علاج مجاني و نصف مجاني و يمثلون مع عائلاتهم حوالي مليوني منتفع بالصحة المجانية . هؤلاء المواطنون تعطيهم الدولة بطاقات تمكنهم فقط من العلاج في المؤسسات العمومية ثم تقول لهم «إذهبوا أنتم و ربكم فحاربوا» في المستوصفات والمستشفيات العمومية وقد يجد البعض ضالته ويضيع البعض الأخر في الطرق المعقدة و الملتوية للعلاج. و يصعب على المستشفيات تحديد كلفة العلاج لهؤلاء المواطنين. فالمصاريف تتكفلها الدولة جزافا وهي التي تمول ميزانية المستشفيات عن طريق خلاص أجور الموظفين فيما يتكفل المستشفى بمصاريف التصرف. علما بأن الصندوق الوطني للتأمين على المرض الذي ينضوي تحته 3 ملايين منخرط وقرابة 8 ملايين منتفع تربطه علاقات تعاقدية مع المستشفى العمومي من خلال اتفاقية مبرمة بينه و بين وزارة الصحة العمومية.

لقد بفيت هذه المجموعة الكبيرة من المواطنين على هامش مسالك العلاج و غير مهيكلة أو مندمجة وأصبح لدينا 3 طبقات من المواطنين= مجموعة منخرطة بالكنام و مجموعة العلاج المجاني ومجموعة «البيدون» أي بدون تغطية صحية و يعالجون على نفقتهم. لذلك فإننا نطرح إدماج هذه الشريحة من المواطنين ( شريحة العلاج المجاني) و لو على مراحل صلب الصندوق الوطني للتأمين على المرض تحقيقا للعدالة بين جميع المواطنين وتحقيقا للتغطية الصحية الشاملة la couverture médicale universelle.
لا ندعي بأنه من السهل انجاز هذا الدمج و لكننا نعتقد أنه مفيد لا فقط للمواطنين و إنما أيضا لحوكمة التسيير والتصرف بالمستشفى العمومي.

إلى الأعلى